لم يكن بداية شهر فبراير كما تمناه عشاق العملات الرقمية. بعد أن ودع السوق شهر يناير بآمال معلقة على استمرار "دورة الصعود الفائقة" (Supercycle)، استيقظ المستثمرون في الأسبوع الأول من فبراير على واقع مغاير تمامًا. شهدت الأيام الثمانية الماضية تحولاً جذرياً في المزاج العام، وانقلاباً في الموازين الاقتصادية، مما يستدعي تحليلاً عميقاً لما حدث ولماذا حدث.
1. المشهد العام: "الأسبوع الدامي"
منذ الأول من فبراير وحتى اليوم، فقد سوق الكريبتو مئات المليارات من قيمته السوقية الإجمالية. السمة الأبرز لهذا الأسبوع لم تكن مجرد "هبوط"، بل كانت "فك الارتباط العكسي" (Reverse Decoupling).
في الوقت الذي كانت فيه الأسواق التقليدية تحتفل بأرقام قياسية تاريخية (مؤشر داو جونز يكسر حاجز الـ 50,000 نقطة، ومؤشر S&P 500 يحلق عالياً)، كانت العملات الرقمية تنزف بشدة. هذا التباين خلق حالة من الصدمة النفسية للمستثمرين الذين روجوا للبيتكوين كأصل يتفوق على الأسهم.
2. البيتكوين (BTC): كسر العظام واختبار الثقة
البيتكوين، قائد السوق، كان في قلب العاصفة.
السقوط من القمة: بدأ الشهر والبيتكوين يحاول التماسك، لكن ضغط البيع المؤسسي كان أقوى. انزلق السعر بحدة كاسراً مستويات دعم نفسية وتقنية هامة (80k ثم 70k) ليصل إلى مناطق خطرة حول 60,000$ - 63,000$.
صدمة صناديق الـ ETF: لأول مرة منذ فترة طويلة، سجلت صناديق التداول الفوري (Spot ETFs) تدفقات خارجية صافية (Outflows) ضخمة ومستمرة لعدة أيام. يبدو أن المؤسسات المالية التقليدية قررت جني الأرباح من الكريبتو لضخها في "الأسهم الرابحة" في وول ستريت، أو لتغطية مراكز مالية أخرى.
مأزق MicroStrategy: انخفاض السعر وضع شركات كبرى مثل MicroStrategy تحت الضغط، حيث تراجعت أسهمها بشكل أعنف من البيتكوين نفسه، مما خلق حلقة مفرغة من الخوف (FUD) حول إمكانية اضطرار بعض الحيتان للبيع، رغم أن مايكل سايلر أكد مراراً على عدم البيع.
3. العملات البديلة (Altcoins): مذبحة جماعية
إذا كان البيتكوين قد "تعثر"، فإن العملات البديلة قد "سُحقت".
الإيثيريوم (ETH): فشل في الاستفادة من أي سردية خاصة به، وتراجع بشكل حاد متأثراً بضعف النشاط على الشبكة مقارنة بالمنافسين، إضافة إلى مبيعات كبيرة من مؤسسة الإيثيريوم وبعض الحيتان القدامى (ICOs era whales).
سولانا (SOL): رغم قوتها المعتادة، هبطت سولانا بنسب تجاوزت 20% خلال الأسبوع. السبب الرئيسي لم يكن تقنياً بقدر ما كان خروج السيولة المضاربية (Memecoin Liquidity) التي كانت تغذي شبكتها.
الناجون القلائل: وسط هذا اللون الأحمر، برزت أسماء قليلة جداً حافظت على ثباتها أو ارتفعت طفيفاً، أبرزها عملة Hyperliquid (التي استفادت من سردية المنصات اللامركزية المتطورة)، وبعض عملات الخصوصية التي عادت للواجهة خلسة.
4. أبرز الأخبار والأحداث (1 - 8 فبراير)
ما الذي حرك السوق فعلياً؟ إليك ملخص الأخبار المؤثرة:
السياسة الأمريكية (خيبة الأمل المؤقتة):
كانت الأسواق تتوقع إعلانات فورية من الإدارة الأمريكية الجديدة (إدارة ترامب) بخصوص "احتياطي البيتكوين الاستراتيجي". التأخير في تنفيذ هذا الوعد، وظهور تصريحات تشير إلى أن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً وتشريعات معقدة، أدى إلى "بيع الخبر" بعد أن اشترى الجميع الإشاعة لأشهر.عائدات السندات والدولار:
ارتفاع مؤشر الدولار (DXY) وعوائد سندات الخزانة الأمريكية خلال الأسبوع الأول من فبراير جعل الأصول الخطرة (Risk-on Assets) مثل الكريبتو أقل جاذبية مقارنة بالعوائد المضمونة الخالية من المخاطر.التصفية القسرية (Liquidations):
البيانات تشير إلى تصفية ما يقارب مليار دولار من صفقات الشراء (Longs) خلال 48 ساعة فقط في منتصف الأسبوع، مما أدى لظاهرة "Long Squeeze" دفعت الأسعار للهبوط بشكل متسارع بحثاً عن السيولة.تطورات تنظيمية:
ظهرت أخبار عن تحقيقات جديدة من هيئة الأوراق المالية (SEC) تستهدف بعض مشاريع التمويل اللامركزي (DeFi)، مما جدد المخاوف من أن الحرب التنظيمية لم تنتهِ بالكامل بعد.
5. الحالة النفسية للسوق: "الخوف الشديد"
مؤشر الخوف والطمع (Fear & Greed Index) انهار من مناطق "الطمع الشديد" في الشهر الماضي إلى أدنى مستوياته منذ 2024، مسجلاً أرقاماً تدور حول 5-10 (Extreme Fear). تاريخياً، هذه المناطق تكون مناطق تجميع، لكن الخوف الحالي نابع من عدم اليقين بشأن الاقتصاد الكلي وليس فقط الكريبتو.
6. الخلاصة: إلى أين نتجه؟
نحن الآن في مفترق طرق حاسم لشهر فبراير:
السيناريو الإيجابي: أن يكون هذا الهبوط هو "فخ الدببة" (Bear Trap) الأخير، حيث تكتفي الأسعار باختبار مناطق 60k، ثم تعود السيولة للتدفق بمجرد هدوء رالي الأسهم الأمريكية.
السيناريو السلبي: إذا تم كسر حاجز 58,000$ - 60,000$ بإغلاق أسبوعي، فقد ندخل في "شتاء مصغر" يمتد لعدة أشهر لإعادة تجميع القوى.
نصيحة المراقبة: الأعين الآن ليست على الشارتات فقط، بل على تصريحات الفيدرالي الأمريكي القادمة وعلى تدفقات صناديق الـ ETF. إذا توقف النزيف هناك، سيتوقف النزيف هنا.


